أحمد بن محمد مسكويه الرازي
273
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
وقد أعلمناك في ما تقدم ما الكفاية وما القصد ، وان الغرض الصحيح بينهما هو مداواة الآلام والتحرز من الوقوع فيها ، لا التمتع وطلب اللذة . وان من عالج الجوع والعطش اللذين هما مرضان وألمان حادثان ، لا ينبغي له ان يقصد لذة البدن بل صحته ، وسيلتذ لا محالة فان من طلب بالعلاج اللذة لا الصحة ، لم تحصل له الصحة ولم تبق له اللذة . وأما من لم يرزق الكفاية واحتاج إلى السعي والاضطراب في تحصيلها ، فيجب أن لا يتجاوز القصد وقدر حاجته منها إلى ما يضطر معه إلى السعي الحثيث والحرص الشديد ، والتعرض لقبيح المكاسب أو ضروب المهالك والمعاطب ، بل يجمل في طلبها اجمال العارف بخساستها ، وأنه يضطر إليها لنقصانه فيطلب منها كسائر الحيوانات في ضروراتها ؛ فان العاقل إذا تصفح أحوالها وجد منها ما يأكل الميتة ومنها ما يأكل الروث وما في الحش ، « 1 » وهي مسرورة بما تجده من أقواتها قريرة العين بها ، وليست تحس من نفوسها نفورا ولا تتصرف نفوسها عنها كما تتصرف نفوس الحيوان المضاد لها ، بل انما تنصرف من أقوات تلك الأخر التي تضادها في النظافة . ومثال ذلك الجعل « 2 » والخنافس إذا قيست إلى النحل ، فان تلك تهرب من الروائح الطيبة والأقوات النظيفة ، وهذا يطلبها ويسر بها . فاذن نسبة كل حيوان إلى قوته الخاص به ككل مقتنع بما يحفظ بقاءه وحياته
--> - المنع من الكسب مهما كان ، ما دام في طريق الحلال . والآن في العالم تجّار يملكون المليارات من الدولارات ، ويستطيعون أن يزعزعوا اقتصاد بعض البلدان ، لماذا نحن المسلمون لا نكون أغنياء وأصحاب رؤوس أموال لخدمة الإسلام والمصلحة العامّة للمسلمين ! ( 1 ) . الحش - : البستان ، أو النخل المجتمع . ( 2 ) . الجعل دوبية سوداء صغيرة تألف المراضع الندية وهي من الخنافس .